تسجيل الدخول
معنى مختلف للحياة

​أحمد علي ​الخليفي

رئيس العلاقات العامة بالهلال

رغم أنني أعمل مع الهلال الأحمر القطري منذ سنوات طويلة حضرت خلالها الكثير من أعماله ومشروعاته في مختلف المجالات، لم يكن يجول في خاطري يوما أن أعيش تجربة تحمل كل هذا القدر من المعاني الجميلة والمشاعر النبيلة التي عايشتها أثناء رئاستي لبعثة الهلال الطبية في موريتانيا. 

ففي بداية الرحلة كنت أظن أنها مهمة عادية مثل أي مهمة أخرى سبق أن قمت بها كرئيس بعثة تتلخص مسؤوليته في متابعة شؤون أفرادها والتنسيق مع السلطات المحلية والإشراف على تنفيذ البرنامج الموضوع وتذليل أي عقبات قد تطرأ، لكنني لم أتصور أبدا أن هذه الرحلة ستغير نظرتي إلى الحياة تماما في غضون أسبوع واحد، فقد رأيت وخبرت بنفسي كيف اجتمع الفقر والحرمان والمرض مع الكرم والحفاوة والمودة الصادقة في نفوس هؤلاء البسطاء، في مزيج فريد قل أن تجده في أي مكان آخر في العالم.

إن مساعدة المحتاجين لها وقع خاص في النفس، وقع لا يدرك معناه إلا من ذاق حلاوته وأحس بروعته وهي تلامس شغاف قلبه، فتحوله من إنسان يعيش بلا هدف سوى البحث عن الرفاهية والكماليات إلى إنسان يؤمن بأن سعادته لا تكتمل إلا بإسعاد الآخرين وتحقيق تغيير إيجابي في حياتهم.

إن ​العمل من أجل الأطفال على وجه الخصوص يجعلك تشعر بأن إنسانيتك التي تاهت منك في خضم شواغل ومتاعب الحياة قد بدأت تعود إليك من جديد، لتحفزك إلى تخفيف وطأة المرض عن كاهلهم، وأن تكون اليد التي تربت على أكتافهم وتشعرهم بالأمان والحب الذي دائما ما يكون له مفعول السحر في شفائهم، فالطفل يحتاج إلى الحب والحنان بقدر ما يحتاج إلى الطبيب والدواء، ولن أنسى ما حييت نظرات السعادة البريئة التي ارتسمت على وجوه الأطفال حين تسلموا الهدايا والألعاب التي وزعناها عليهم بعد خروجهم من غرفة العمليات.

وما زالت دموع الفرح التي انهمرت من عيون الآباء والأمهات لا تبارح مخيلتي، وما زالت تتردد في أذني الدعوات الصادقة التي رددتها قلوبهم قبل ألسنتهم حمدا لله عز وجل على أن من على فلذات أكبادهم بالشفاء، وعرفانا بالجميل لدولة قطر والهلال الأحمر القطري الذي أحس بمعاناتهم وحقق لهم آمالهم في نزع الغصة من قلوب أبنائهم المنهكة ومنحهم أملا جديدا في الحياة.

لقد كانت رحلتي هذه رحلة عبر الزمن، حيث أعادني ما رأيته في نواكشوط إلى ذكريات طفولتي المبكرة في الستينيات، حينما كان المجتمع القطري هادئا بسيطا تزينه العلاقات الاجتماعية القوية والقلوب الصافية والرضا بالقليل والتلاحم مع الطبيعة والفطرة في كل شيء، ونحن أحوج ما نكون إلى أن نعيد إحياء هذه القيم في نفوسنا التي أرهقها إيقاع المدنية والحداثة الصاخب.

حقا ما أجمل أن ترسم بسمة على وجه طفل فقير. ​